أن تكون " كل شيء" يعني أن تكون "لا شيء"

تقول "سيلفيا بلاث" في روايتها (الناقوس الزجاجي) “ شاهدت حياتي وهي تتفرع أمامي مثل أغصان شجرة التين في تلك الحكاية، وفي طرف كل غصن كان مستقبل رائع يومئ إليّ ويغمز لي بعينه مثل تينة أرجوانية ممتلئة. كانت إحدى التينات زوجاً وأطفالاً ومنزلاً سعيداً، والأخرى شاعرة ذائعة الصيت، والثالثة أستاذة جامعية متميزة، والرابعة المحررة المدهشة (جي. جي)، والخامسة أوروبا وأفريقيا وجنوب أميركا، والسادسة قسطنطين وسقراط وأتيلا وحفنة عشاق آخرين بأسماء غريبة ومهن غير مألوفة، والسابعة بطلة الفريق الأولمبي للسيدات، وكانت فوق كل تلك الثمار ثمار أخرى لم أستطع تمييزها. رأيتني جالسة في مقدمة شجرة التين تلك، أتضور جوعاً حتى الموت، لأنني لم أقرر أي ثمرة سوف أختار. فقد كنت راغبة في كل واحدة منهن، واختيار واحدة يعني التخلي عن الأخريات. جلست هناك عاجزة عن اتخاذ القرار المناسب، فراحت الثمار تذبل ويتغير لونها حتى سقطت من بين قدمي على الأرض، الواحدة تلو الأخرى. “

ولا أجد أجملَ من هذا الاقتباس؛ لعبقريته في وصف مأساتنا الحالية التي تتجسد برغبتنا العارمة في التهام جميع ثمار الحياة في وقتٍ واحد. ولاستحالة تحقيق ذلك، نقف حائرين في هذه الحياة جياعاً، فنصبح "لا شيء" نتيجة رغبتنا في أن نصبح "كلَّ شيء".

فيزيائياً هذه الحالة النفسية التي وصفتها بلاث ليست مجرد تشبيهٍ أدبي، بل هي انعكاسٌ دقيق لقوانين الحركة الأساسية في الكون. ففي الفيزياء، وتحديداً في علم الديناميكا، هناك مفهوم يندرج تحت قانون نيوتن الثاني يُدعى بـ"القوة المحصلة الصفرية". فالقوة المحصلة تُعبّر عن مجموع القوى المؤثرة في الجسم، وعند تساوي مقدار هذه القوى وتعاكس اتجاهاتها، تصبح القوة المحصلة صفرية، وتؤدي إلى جعل تسارع وإزاحة الجسم صفراً، وتحدث حالة تُسمى بـ"السكون التام." فعندما تحاول استغلال "كل" الفرص المتناقضة في وقتٍ واحد، فأنت تضع قوى شديدة على نفسك في اتجاهاتٍ متعاكسة. هذه القوى "تأكل" بعضها البعض، والنتيجة هي طاقة مُهدرة ضخمة وإزاحة تساوي صفراً، فتدخل في حالة من الجمود والسكون التام. هذا الجمود الذي تشعر به هو نوع من "القصور الذاتي"؛ فجسمك الساكن يميل للبقاء ساكناً عندما تكون الفرص كثيرة ومتساوية في الأهمية، حتى تأتي قوة خارجية تحسم القرار.

اجتماعياً يقول الفيلسوف أرسطو: "صديق الجميع ليس صديقاً لأحد" (A friend to all is a friend to none). وهذا يعني أنه عندما تحاول أن تلعب دور صديق الجميع، والشخص الذي يوافق على جميع الآراء ليناسب جميع المجالس؛ فإنك تفقد لونك الخاص وشخصيتك المستقلة. فمحاولة أن تكون "كل شيء" للناس تجعلك بلا لون ولا هوية حقيقية.. مجرد "لا شيء"! وتخسر فرصة الوصول لعلاقة صداقة عميقة وطويلة الأمد تأنس بها، وتكون لك مرساةً ثابتة خلال تقلبات هذه الحياة..

نفسياً تحت ضوء عصرنا الحديث، ومع التطور المتسارع للتقنيات التكنولوجية وظهور منصات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)، تجلت متلازمة الخوف من تفويت الفرص (FOMO) هي حالة نفسية، وشعورٌ مقلق ومتوجس بأن هناك معلومات، أو أحداثاً، أو فرصاً تفوتك، والتي كان من الممكن أن تجعل حياتك أفضل. تؤدي هذه الحالة إلى التشتت والاحتراق النفسي، تتخلل ممارسات يومية مثل الاستهلاك السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يصبح هناك سعيٌ قهري للبقاء على اتصال دائم بكل شيء، ومقارنة ذواتنا مع حيوات الآخرين المثالية والمُعدَّلة للبحث عن مكافأة نفسية أو شعورٍ بالانتماء، ولكننا لا نجد إلا المزيد من التشتت. فهذه الفجوة تخلق كومة من المشاعر السلبية التي تؤثر بشكل سلبي، وتزيد من معدلات القلق، وتشل الإنتاجية.

ما الحل ؟ في الواقع، النجاح الحقيقي لا يتطلب إضافة المزيد من الأشياء لحياتك لتعم الفوضى، بل يتطلب التخلي عن الكثير منها، والترتيب، والتركيز على طريقٍ واحد. فاختيار طريقٍ واحد يعني امتلاك الشجاعة في رفض الطرق الأخرى المتاحة. لذا، اختر "تينتك" بشجاعة، قبل أن تتساقط كل الثمار وأنت تنظر.